عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
54
معارج التفكر ودقائق التدبر
لم تكن مريم عليها السّلام تعرف أنّه ملك مرسل إليها من ربّها ، لكن لم تر عليه أيّة علامة على أنّه رجل فاسق ، بل رأت عليه علامات تدلّ على أنّه تقي ، ولهذا استعاذت باسم الرّحمن منه إن كان تقيّا ، لأنّ دخوله عليها قد يجلب ما يسوؤها في مجتمعها ، وهي الطاهرة العفيفة الشريفة العابدة القانتة لربّها . ولو أنّها رأت عليه أمارات الفسق لاستعاذت منه بالجبّار القهّار المنتقم . وفي حكاية هذه القصة تعليم لنا كيف نستعيذ باللّه في المواقف الحرجة المشابهة . سادسا : ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ في سورة ( هود / 11 مصحف / 52 نزول ) في معرض حكاية لقطات من قصّة نوح وقومه قوله : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) . لم يكن نوح عليه السّلام يعلم عن ابنه المحكوم عليه بالغرق مع كفّار قومه أنّه كافر ، إذ كان بعيدا عنه ، وظنّ أنّ وعد اللّه له بنجاة أهله معه في السفينة يشمل هذا الابن ، فأبان اللّه له حقيقة أمره ، وقال له : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي : أنّي أعظك محذّرا لك أن تكون من الجاهلين ، الّذين يسألون اللّه تغيير أمور هي من أحكامه الحكيمة العادلة . عندئذ استعاذ نوح عليه السّلام بربّه من أن يسأله مستقبلا ما ليس له به